أبو العبد … فحل الصدفة!

بمجرد أن زال تأثير المخدر , بدأ الطبيب بالاعتذار عن الخطأ غير المقصود الذي حصل ” أثناء العملية تمزقت مجموعة الأعصاب التي تنقل الحس من عضوك الذكري إلى الدماغ يا أبا العبد” . لم يفهم أبو العبد العامل البسيط في فرن الحارة معنى الكلام فطلب من الطبيب أن يوضح . تلعثم الطبيب قبل أن يقول “من الآن فصاعدا لن تشعر باللذة أثناء ممارسة الجنس, جميع الأعصاب التي تجعلك تشعر باللذة قد تخربت أثناء العملية”.
جن جنون أبو العبد , فما يقوله الطبيب يعني أنه قد خسر اللذة الوحيدة التي كانت متاحة له في هذه الحياة القاسية … أنهى الطبيب جملته الأخيرة , وقال لأبي العبد أعدك وعد طبيب يؤمن بالقسم الذي أقسمه أن أصرف كل جهدي ووقتي كي أجد لك حلا لتصحيح هذا الخطأ , أرجوك سامحني, سأغادرك الآن على أمل اللقاء بك بعد أن أجد الحل لمشكلتك.
……
عاد أبو العبد إلى منزله في اليوم نفسه , ولم يخبر زوجته بأي شيء قاله الطبيب آملا أن يكون كل ما سمعه كابوسا , و أن الغد سيحمل له أخبارا أفضل .
مر أسبوعان على العمل الجراحي , و أبو العبد لا يقرب زوجته, فاستغربت الأخيرة كثيرا من زوجها هذا البرود , و هي التي اعتادت على غزواته اليومية المتكررة, فقررت أن تبادر… جعلت جسدها أجردا كصحراء الربع الخالي , و استحمت و تعطرت و ارتدت الملابس الداخلية التي اشتراها لها خصيصا كي تلبسها في ليالي الخميس الحمراء , تلك الليالي التي يستمر فيها الكر و الفر حتى يعلن الصباح انتهاء حرب داحس و الغبراء … شغلت المسجل و رفعت الصوت ” بعيد عنك حياتي عذاب” … استيقظ الزوج من غفوته على صوت أم كلثوم العالي , و كانت نظرة واحدة إلى اللحم البض كفيلة بأن ينهض صديق أبي العبد من رقاده ليعلن أنه موجود و حي رغم كل ماجرى.
لم يشعر بشيء , لكن زوجته كانت تتأوه كعادتها , تتلوى , تتمايل … بدا أن كل شيء يسير على ما يرام فقد ظن أبو العبد أن رجولته قد انتهت , لكن الانتصاب بدون إحساس جعل لرجولته عنوانا آخر , فهو الآن في الساعة الثالثة من عمله الزوجي , و زوجته ماتت و عاشت عشرات المرات دون أن يشعر أنه قد اقنرب من اللذة … أسعده جدا صوت زوجته التي تترجاه أن يتوقف … تظاهر بالاكتفاء … و ذهب لأخذ حمام ساخن.
……..
في جلسة بين نساء الحي روت أم العبد ما كان من أمر أبي العبد , وما هي إلا أيام حتى كثرت طلبات توصيل الخبز إلى المنازل, و من ثم إلى أنحاء المدينة المختلفة , وبعد أن توقفت أول سيارة فارهة في الشارع الضيق المؤدي إلى الفرن , أصبح موضوع وصول طائرات خاصة لتحمل أبا العبد إلى أماكن سياحية عديدة مسألة وقت فقط.
……..
بعد سنوات أصبح اسم أبي العبد على قائمة أغنى مائة رجل في العالم , و أصبحت سلسلة الفنادق و المطاعم التي يملكها ” أفضال عابر البحار” أشهر من نار على علم , و كانت محاضراته القيمة في الأكاديميات الاقتصادية تتألف من جملة واحدة “رب ضارة نافعة” يقولها فيشتعل التصفيق , ويصرف المحللون الاقتصاديون عشرات الساعات لتحليل طرق تحويل المصاعب المالية إلى أرباح , ووسائل استغلال أزمة النقد و استثمارها … فأبو العبد لا ينطق من فراغ , وهذه الثروة لا يمكن جمعها إلا بامتلاك قدرات عظيمة يعجز الإنسان العادي عن فهم حدودها و إمكاناتها.
بقي التدفق النقدي المستمر على شركات أبي العبد سرا لا يعلمه إلا الله ومن تورطن في صناعة هذا النهر الذي بدا لأبي العبد أنه لن ينضب أبدا.
………
في السنة العاشرة … أعلنت السكرتيرة عن وجود وفد من الأطباء يريد أن يزف البشرى لأبي العبد, و يطلب الإذن باللقاء به على انفراد , فأبدى الأخير موافقته .
نهض أبو العبد عن الكرسي و ركض إلى طبيبه (ولي نعمته) الذي ميزه على الفور من بين كل أعضاء الوفد , وأخبره أن حضوره هو أكبر مفاجأة سارة , فهو لم يتوقف عن التفكير به طوال تلك السنوات , وقبل أن يكمل أبو العبد حديثه أسكته الطبيب بقطعة من القماش وضعها على أنفه و فمه .
بعد عدة دقائق استيقظ أبو العبد … كان الطبيب مسرورا جدا , وبمجرد أنه تأكد أن أبا العبد يسمعه أخبره أن الحل كان بسيطا جدا , ولم يحتج أبدا إلى جراحة , فاليابانيون طوروا مرهما خاصا يتيح ترميم الأعصاب التالفة و من استخدام واحد فقط , مرهم يحتوي على خلايا ذكية تشكل أعصابا جديدة كليا و تعيد كل شيء إلى ما كان عليه. صمت الطبيب قليلا تاركا لأبي العبد فرصة استيعاب الأخبار المفرحة, ثم وقف بكل فخر ليقول لمريضه :قلت لك إني أحترم قسمي , و ها قد وفيت بوعدي , ستستعيد ما فقدته منذ زمن بعيد.
وضع أبو العبد يده على مورد رزقه , عصره بأصابعه فشعر بموجة من الألم بدت له و كأنها قادمة من كون آخر نسي أنه موجود حقا . تأوه, فضحك الطبيب و ترقرقت عيناه بالدمع …
أطرق أبو العبد رأسه , و مشى بهدوء نحو مكتبه , أخرج مسدسا صغيرا , و قتل الطبيب بطلقة واحدة.
نظر إلى باقي الوفد و سألهم : هل يوجد أي سبيل لعكس تأثير هذا المرهم , فأجابوا بالنفي , فقتلهم جميعا بدون تردد, ومن ثم طلب الشرطة , و قبل أن يعترف قال له الضابط : آمل أن لا يكون هؤلاء الإرهابيون قد آذوا شعرة من جسدك . و قد فهم الضابط من صمت أبي العبد أنه لايرغب بالحديث عن نوع الاعتداء الذي تعرض له , وهكذا تم حفظ التحقيق لسريته و حساسيته, وحساسية اسم الرجل الذي يتناوله.
……………
في المحاضرات التالية في المحافل الاقتصادية كان أبو العبد دائما حاضرا بصفته صاحب أشهر مجموعة شركات انهارت كأنها أوراق يابسة عصفت بها ريح خريفيه, و كانت محاضراته جميعها مؤلفة من جملة واحدة ” إياكم و عودة الإحساس , إنها تقضي على كل شيء” يقولها و يشتعل التصفيق , وبات المحللون الاقتصاديون يكتبون المؤلفات في دور غياب الإحساس في الوصول إلى قمة الهرم!

تعليقات

تعليقات