مقتبسات حلاق دمشقي

أصعب الأمور عليّ، كانت الذهاب إلى الحلاق.. ليس يسبب عقدة نفسية، بل لأن هذا يتطلب الدخول إلى الصالون، ثم الانتظار إلى أن يأتي دوري، وقد يطول، مع احتمال ما يبثه المذياع عبر محطات (الإفْ. إم) من أغنيات الصرعات التي تعلو فيها أصوات الطبلات، وورعيق الآلات.. للتغطية على حشرجات المطربين والمطربات… ولأنكى من ذلك هو التسعيرة التي ترتفع في كل زيارة مع ارتفاع سعر الدولار.. مع أن التسعيرة لا تهبط مع هبوطه..
وأعتقد أن كنت من المحظوظين حين وجدت إعلاناً مطبوعاً، لا يتجاوز حجم الكف، ملصقاًً فوق باب العمارة.. وفيه عرض من حلاق جوّال، يعرض خدماته في منزل الزبون متى شاء.. وبتسعيرة مغرية: مئة ليرة… (يا بلاش!)… وهكذا.. سرعان ما هتفت على الرقم المدرج في إعلانه.. وسرعان أتى.. ولكن بدل أن أرحب به، راح الرجل يسرد علي فرحته بلقائي، فهو من القراء القدماء لهذه الصحيفة، وخاصة زاويتي فيها… ثم اتضح أن الرجل خريج جامعي، ومتقاعد بحكم السن من وظيفة لا بأس بها.. وهو آثر ممارسة الحلاقة التي تعلمها من أبيه، كي لا (يتعفن) في البيت… والأهم من ذلك أنه قارئ نهم، وخاصة في مجال الأدب.. ولديه دفتر يسجل في صفحاته ما يعجبه من عبارات، وأقوال، وطرائف، وقصائد، ومعلومات مفيدة… وحين انتهى من عمله في تشذيب شعري، أخرج دفتره من محفظته، وعرض علي تركه بين يدي، حتى زيارته القادمة… وكان عنوان دفتره (الكشكول)…وإليكم بعض ما قرأته في كشكوله العجيب: جاء في مخطوطة آشورية: “الفاسقون الخمسة، أربعة.. وهم العقرب والجرذ والثعبان!!..”… وأترك شرح المثل لأصحاب الخيال!”.. وفي اقتباس آخر قرأت: “يقول الكاتب الإيرلندي (الإنكليزي) الساخر جوناثان سويفت: القوانين مثل شِباك العنكبوت، بإمكانها الإمساك بالذباب الصغير، لكنها تسمح للدبابير بالمرور”… ويعقب الحلاق كاتباً: “أنوه أن ممزقي شبكة القانون، يمزقونها بأصابع من حرير، حلساء ملساء.. وبالغة السرية أيضاًً”..
وويقتبس الحلاق من العصر العباسي.. تحديداً م عصر هارون الرشيد.. حيث كان لكل حرفة شيخ… فللخياطين شيخ، وللنجارين شيخ.. وللتجار شيخ.. وللبنائين شيخ… وكذلك كان للحرامية شيخ اسمه عثمان الخياط… وكان عثمان الخياط يقول لأصحابه في بغداد: “اضمنوا لي ثلاثاً، أضمن لكم السلامة… لا تسرقوا الجيران.. واتقوا الحُرم.. ولا تكونوا أكثر من شريك مناصف”!.. ويا له من (منفيستو) يصدر عن شيخ الحرامية في بغداد هارون الرشيد!.. وينساه حرامية عصرنا، لأنهم بلا شيخ!..
ويقتطف من رواية (الأعمى) لخوسّيه ساراماغو قوله: “سمعت من قال بأن هذا هو ما يحدث مع المحكوم عليهم بالإعدام في الدول (الديموقراطية)… فلو كان المحكوم يشكو من الزائدة الدودية، فسيقومون بإجراء عملية جراحية له.. وحين يشفى، ويتأكدون من شفائه، يقومون بشنقه.. كي يموت وهو بصحة جيدة”!!..
وأختتم اقتطافي من كشكول حلاقي قول المسرحي الألماني بريخت في إحدى مسرحياته، مخاطباً المجتمع البرجوازي: “أيها السادة.. أنتم تحبون كروشكم.. واستقامتنا!..” ..
وحسبي الله.. ونعم الوكيل..

وليد معماري

تعليقات

تعليقات