هل تسقط موسكو .. قبل جوبر؟ سرياليات واسرائيليات

موسكواذا كانت الحكايات التي بقيت في سجلات الزمن ظلالا لأرواح عاشت ومشت وعشقت وسافرت ولم يبق منها الا الغبار الذي تنثره السهرات والمقاهي وكتب الحكواتيين القديمة .. فان الاساطير هي ظلال الحكايات وأحلامها المهزومة .. وخلف أعمدة كل أسطورة ظلال حكاية من لحم ودم وخمر ..

واذا كانت الأسطورة كأسا فان الحكاية هي نبيذه الأحمر المقدس .. وهذا الشرق كأس كبير .. كبير .. ملأته ظلال الحكايات ودماؤها الحمراء المقدسة .. وشربت شفاه الزمن وعروقه من كؤوس الشرق طوال سنوات ثورات المؤمنين “حتى تكرّش الزمن وصار بلا رقبة” .. ومنذ الربيع الثوري كنا في نهاية كل عام على موعد مع الحكايات والأساطير الثورية والكؤوس التي تقرع الكؤوس والزجاجات التي جفت عروقها .. وكانت الكواكب تناطح الكواكب .. والنجوم تنازل النجوم .. وكان الله يقاتل الله .. واليقين يزاحم اليقين .. حتى مات يقينهم تحت أقدام يقيننا ..

 

فلاشك أن مالفت الأنظار في نهاية عام 2014 هو غياب اليقين الثوري ويقين أصدقائهم بأن الثوار سيدخلون دمشق في عام 2015 وينهون الحكاية التي وعدوا التاريخ أنه سينقلها عن دفاترهم كاملة منذ أربع سنوات .. وقد انتظر التاريخ حتى كلّ متنه وملّ ولم يحدث اليقين الثوري .. ولاأخفيكم أن حفلات هذا العام قد خلت من الاثارة الثورية التي افتقدتها وكانت سببا في متعتي لثلاث سنوات وأنا أرى مهرجانات التنجيم الثوري وحدائق النجوم ..

 

وقد فتشت هذا العام في كتابات الثوار وتوقعاتهم ونجومهم فوجدتها لأول مرة عقلانية وقد تهذبت في حديث النبوءات وليس فيها شطح الا اليسير .. بل ستستغربون أن الرهان اليوم والنقاش بين الثوار ليس على تحديد موعد السقوط للنظام السوري بل الرهان على مدى صمود دوما وحلب وحدوث معجزة عدم السقوط بضمانات دولية وخطوط حمراء يتم التذكير بها .. حتى سمير جعجع وعزمي بشارة تغيبا عن مهرجان النجوم والمواعيد اليقينية ولم يبق في الميدان الا حديدان .. أي فيصل القاسم الذي يحارب وحده ويفتح الحصون مثل هرقل ويبشر بالنصر .. ولو مر محلل نفسي على ماتنقله صفحات الثوار عنه لأدرك أن الرجل يعاني من اكتئاب صريح فالمكتئب يصاب بحالات من الافراط في سلوك ما .. فهو اما أن يأكل بشراهة أو يمتنع عن الطعام حتى حافة الموت .. ولكنه قد يعبر عن اكتئابه أحيانا بالافراط السلوكي في الشراب والسهر وقلة النوم أو النوم والانعزال في ركن مظلم .. وقد يظهر في سلوكه ردود فعل عنيفة واصرار على احداث الضوضاء أو الصمت المطبق .. وفيصل مصاب هذه الأيام باسهال في التعبير وباطلالات وتصريحات وكتابات بلا توقف وبردود أفعال مفرطة يقرؤها أطباء النفس على أنها افراط سلوكي وتعبيري يدلان على عدم استقرار عاطفي أو شعوري بسبب حالة اكتئاب ما .. والمثال الذي يمكن طرحه لشرح ذلك هو العنوان الذي اختاره فيصل في احدى هيجاناته الانفعالية – كما نقلت عنه صفحات الثوار- اذ كتب ان النظام السوري طهر داريا 3756489086542657 مرة .. وهذا الافراط في السخرية بالارقام لايمر دون ملاحظة من يقرأ لغة الجسد ولغة القلم وانفعالاته العصبية .. وغني عن القول بأن الافراط التعبيري أو الحركي يدلان على عدم استقرار نفسي سببه اكتئاب وتوتر شديدان يفقدان الشخص القدرة على التعبير المناسب فيفرط في تعابيره وكتاباته وأرقامه .. فالعنوان والرقم المذكور يعكسان حالة احباط وانتقام من الاحباط بالمبالغة الشديدة في اظهار المقصود وفشل في التخلص من الوسواس .. والغريب أن الثوار وحدهم قرؤوه على أنه شيفرة ثورية ورسالة ..

 

المهم أن الثوار أدركوا أنهم فقدوا الكثير من الجاذبية وهم يعدون العالم والجماهير المؤمنة بأنهم على موعد مع النصر القريب وكتابة النهاية للنظام السوري .. ولكن مايثير الشفقة هو أنهم استعاضوا عن حلم اسقاط دمشق بحلم آخر يبدو أكثر سريالية وهو اسقاط موسكو أولا .. ولو نظرتم في كم التوقعات الثورية بسقوط موسكو لعرفتم البؤس في التفكير .. وقد بدأت الماكينة الثورية توزع منتج الطاقة الجديد معلبا في صورة استشرافات ووعود وتحليلات مكررة بأن سقوط بوتين هو مايجب انتظاره الآن .. أي سقوط دمشق من موسكو .. بدل سقوطها من جوبر .. وهو حل سريالي يشبه الاسرائيليات التلمودية وخرافات النبوءات التي تتنبأ بأن بناء الهيكل سيتم بسقوط دمشق كما ورد في سفر اشعيا الذي يقول: (دمشق لن تكون مدينة بل كومة من ركام .. ويزول الحصن من إفرايم والملك من دمشق و بقية آرام و تصير كمجد بني إسرائيل يقول رب الجنود) ..

 

وحل اسقاط دمشق من موسكو يشبه الحل السريالي الذي اكتشفه خالد مشعل واسماعيل هنية بأن تحرير القدس يمر من خط قطر – استانبول .. ورفع شعار “القدس تنتظر الابطال” ويقصد بالأبطال حمد واردوغان ومحمد مرسي ..ولكن الأبطال وصل بعضهم الى السجن وبعضهم الى المنافي .. وبعضهم يبحث عن مصير..ولم يصلوا الى قدس خالد مشعل الاخوانية ..

 

ومن يقم بمراجعة لما ينشره الكتاب المعارضون وفلاسفة المعارضة البؤساء يستطيع ببساطة أن يدرك أن هناك حيرة في وضع تصور في كيفية انتصار الثورة أو الحفاظ على مسافة أمان بعيدا عن التشاؤم .. ولذلك ابتعدت التصورات عن اسقاط دمشق من جوبر وصارت تنتظر سقوط موسكو أولا .. أو سقوط طهران بالضربة النفطية .. وربما سقوط دول البريكس كلها دفعة واحدة كرمى لعين الائتلاف السوري وأحلام المعارضة .. وقد قرأت الكثير مما ينشر الآن عن قراءاتهم وتقديراتهم وكلها تصر على اليقين بأن الثورة صامدة ومستمرة بدل الاصرار القديم على أن النظام سقط .. وهذا هو المصطلح الذي يستهل جميع الكتاب المعارضين تصوراتهم بعد أن كان اليقين ومدخل الحديث هو سقوط النظام الوشيك .. فهناك يقين بأن استمرار الثورة سابق لانتصارها لأن الانتصار لم يعد ممكنا دون استمرار الثورة بصمودها المهدد في كل لحظة .. ولكن هناك اغماض عين متعمد عن حقائق في القراءات السياسية التي يتم تداولها بين النخب السياسية والأكاديمية الغربية وهي عوامل يجب النظر اليها بهدوء .. وهذه الحقائق يمكن تلخيصها في 3 محاور كبرى يجب تذكير الثورجيين بها للتمعن فيها:

 

المحور الأول .. الولايات المتحدة الاميريكية:

 

في عام 2015 هناك منعطف مهم وهو أن التحضيرات للانتخابات الأميريكية ستبدأ مواسمها في أشهر قليلة تمهيدا لانتخابات 2016 الرئاسية .. فالرئيس أوباما سيبدأ الهبوط التدريجي في منتصف عام 2015 وستهبط معه الوعود والبرامج التي أتى بها والسياسات التي منحت فترة 7 سنوات لتنفذ .. وهناك اتفاق عام أن فترة 4 – 7 سنوات اذا لم تنجز المهمة فيجب اغلاق المهمة والبدء بمهمة جديدة بأهداف جديدة وفق النتائج التي انتهت اليها سياسة الفترة السابقة كما حدث مع جورج بوش .. وتكون فترة العام الاخير للرئيس أوباما هي التحضير للرئيس القادم وفي مراجعة فترة اوباما وتطويرها او استبعاد تكتيكاتها والغائها .. وهذا يعني أن معظم البرامج السابقة لاتتوقف ولكن لاتستمر بنفس الزخم بل يتم تجميدها بانتظار الادارة القادمة التي تريد تطبيق نظرياتها وتعديلاتها وفق ضرورات جديدة .. ولذلك ينظر الى الاتفاق النووي الايراني أنه منح فترة اضافية تنتهي في منتصف عام 2015 لأنه اذا لم يتم الاتفاق فسيترك للرئيس القادم ليكون البرنامج الانتخابي للرئيس القادم مبنيا في الشأن الايراني على تصورات جديدة اما نحو مواجهة أو مقايضة يقدمها في البرنامج الانتخابي تمنحه تفويضا شعبيا .. وكذلك الأزمة السورية صارت بشكل أو بآخر خارج صلاحيات الادارة الحالية لأن اي تحريك فيها قد لايسير بشكل يرضي الانتخابات الرئاسية وحملات الحزبين المتنافسين ..ولذلك يميل المراقبون الى ان الازمة السورية (التي عجز فيها الاميريكون عن ايصال حلفائهم الى السلطة) سيعمل الاميريكون للمحافظة على استقرارها بالشكل الحالي حتى نهاية 2016 موعد الانتخابات القادمة .. وهم يراسلون السلطات السورية سرا لابرام صفقة “عدم زحزحة” أو تجميد الجبهات .. اي تلتزم الادارة الحالية بوضع الثوار في أقفاص ومعسكرات التدريب دون استخدامهم مقابل أن لايفاجئ السوريون وحلفاؤهم الاميريكيين بتحريك خطوط القتال وتغيير الخارطة العسكرية بشكل جذري والحاق هزيمة منكرة بالمعارضة في فترة العام الاخير مما يتسبب في احراج الادارة الحالية في الانتخابات والمساهمة في هزيمة الديمقراطيين بسبب فشلهم في ابقاء التوازن العسكري المطلوب ريثما تأتي الحلول مع ادارة مقبلة .. وهو ماحدث ابان زمة الرهائن الاميريكيين في ايران التي هزمت كارتر وفتحت المجال لرونالد ريغان لحلها بتفويض شعبي عبر انجاحه في الانتخابات .. وهو كذلك ماحدث مع جورج بوش الابن الذي أرجأ اقتحام الفلوجة العراقية لما بعد الانتخابات لأنه كان يخشى ان تتسبب خسائر الجيش الاميريكي في التأثير على اعادة انتخاب ادارته لأن الفشل في اقتحام الفلوجة قبل الانتخابات سيكون بمثابة رسالة أن المهمة في العراق صعبة ويجب تغيير الرئيس لتغيير السياسة .. ولكن الوضع المعقد مع سورية هو ان الرئيس الأميريكي متورط مع دولة قوية اقليميا وبحلفاء أقوياء وليس مع مدينة محاصرة صغيرة ..

 

ويخشى الاميريكون جدا أن تفشل مبادرتهم والحاحهم بتجميد الخطوط بانتظار الرئيس الاميريكي القادم لأن تحرك القوات السورية يشير الى أن عام 2015 هو عام التحريك العسكري الذي ظهر جليا برسالة الأسد من أول خط للنار في جوبر وكان يعني بها أن المعركة ستكون في عام 2015 حاسمة وأنه يميل لوجهة نظر العسكر في تصعيد المواجهة ..ولو لم يكن كذلك لاختار مثلا مركزا للايواء أو معسكرا للنازحين لزيارته التضامنية في ليلة رأس السنة .. وهذا التوقيت في اختيار التصعيد على الارض ينظر اليه على انه استغلال ذكي ومدروس لحاجة الرئيس الاميريكي وحزبه للهدوء للفوز بالانتخابات خاصة أنه غير قادر على اتخاذ خطوات تصعيدية تحت أية ذريعة .. ومن ينتظر سقوط موسكو من جوبر ربما لن ينتظر طويلا ليرى الأسد في قلب جوبر ودوما .. وربما في قلب حلب ..قرة عين أردوغان

 

المحور الثاني .. دول الخليج المحتل والسعودية تحديدا:

 

لايمكن النظر الى الموقف السعودي الذي يقود دويلات الخليج المحتلة كعامل مستقل عن العامل الاميريكي فالسياسة السعودية تشبه العربة المقطورة واحدى عربات القطار الاميركي الخلفية.. وهي لايمكن أن تتجاوز العربة القاطرة الرئيسية بل تتمهل بتمهلها وتسرع بتسارعها .. والدور الذي سيناط بها ستقرره الولايات المتحدة في فترة البيات الشتوي للرئاسة الاميركية في النصف الثاني للولاية الأخيرة لأوباما .. وهو غالبا دور كلاب الصيد التي لن تتجاوز رغبة الصياد الذي يريد اعادة حساباته وخططه .. ولذلك فان الدور الذي ستلعبه السعودية في هذه المرحلة هو الاذعان المطلق للقرار الأميريكي مع دور اقتصادي يتمثل باللعب بأسواق العالم النفطية بانتظار الرئيس الاميريكي القادم وتحضير المسرح الاقتصادي له .. وهي لعبة لن ينتظرها المتضررون دون تحويل مسارها رغم أنف السعودية .. ولكن السعودية تنتظر شيئين مهمين جدا قد يقلبان تحالفها مع الثوار وهما: 1- الموجات الارهابية المرتدة عن الشام والعراق التي وصلت الى أطراف المملكة وبدأت تدس أنفها داخل المملكة .. 2- والملك السعودي الجديد الذي تم تعيينه منذ أشهر في البيت الأبيض والذي قد يكون محملا برغبة اميريكية بالانعطاف والتهدئة لأن العهد الحالي فقد كل قدرة على اعادة انتاج نفسه أو التراجع بشكل مقنع .. ولايمكن ان يتم وصول ملك سعودي دون أن يكون تعيينه مدروسا في البيت الأبيض وتغيير الأشخاص والقادة يسهل اعادة تموضع السياسات .. فكما أن الهند كانت جوهرة التاج البريطاني المفقودة فان السعودية هي جوهرة الامبراطورية الاميركية التي لاتريد ان تتركها تنفرد بأي قرار مستقل ببساطة في مسائل حيوية .. فهذه المملكة حلوى محشوة بالنفط والفتاوى وبالشيوخ الذين يستطيعون الافتاء بحرب على الصين والهند وروسيا وجر ملايين المسلمين الى التهلكة المجانية ..

 

المحور الثالث .. وهو المحور التركي:

 

وهو أكثر المحاور المؤثرة في الأزمة السورية لأنه يشرف على أكبر مساحة للأزمة عسكريا في منطقة تمتد في معظم الشمالين السوري والعراقي عبر داعش ومكونات المليشيات المعارضة .. وتركيا ترى أن جوهرة التاج العثماني هي دمشق مثلما كانت الهند جوهرة التاج البريطاني .. ولكن حتى هذه اللحظة فانه العامل الذي يبدو الرهان المطلق عليه من قبل المعارضة مغامرة كبيرة جدا .. لأن كل ثقل المعارضة وجسمها السياسي والمسلح معتمد على تركيا .. فهناك متحولات كثيرة غير مستقرة في تركيا ولاأحد يعلم الى أين ستصل أو كيف ستنفجر ومتى .. بل ان مرور خط الغاز الروسي في تركيا قد يكون لغما مدمرا لحزب العدالة والتنمية وطبق عسل قاتل لأردوغان .. فمرور الغاز في تركيا ينظر اليه على أنه تمرد اردوغان الغاضب بصمت على البيت الأبيض بعد رفض كل اقتراحاته بشأن المناطق العازلة أو التورط المباشر عسكريا لاسقاط الدولة السورية بالقوة على غرار ليبيا .. وتسبب ذلك في تحطيم مشروع عمره .. ورغم أن خط الغاز الروسي تمت مناقشته مع الحلفاء في الناتو فان هناك انطباعا أن أردوغان يريد ابتزاز الناتو ليذعن لبعض مطالبه بالشأن السوري بحجة أنه أكبر متضرر من بقاء الأسد ويجب تفهم حاجته للتوافق مع الروس بعد خذلانه من الغرب ..

 

الناتو يراقب عن كثب دخول أنبوب الغاز الروسي الى تركيا رغم تطمينات اردوغان بأن يده الآن على عنق أنبوب الغاز الروسي وهو سيعصره عند صدور الاوامر اليه .. ولكن الناتو ينظر الى الأمر من زاوية أخرى وهي أن اي تغيير في توازن تركيا مستقبلا قد يأتي بقوى مناهضة لأي توتر في الجوار بعد تجربة أردوغان وهذه القوى تريد بالفعل معادلة “صفر مشاكل” بعد توترات سببها اردوغان في كل اتجاه .. ويبقى الغاز الروسي طليقا ومحميا .. ولذلك فان اي خط روسي يمر من تركيا نحو أوروبة أو اي بلد ليس مقبولا ولايمكن الاطمئنان اليه .. ومن هنا فان هناك خشية من أن يتم التخلص من اردوغان أو اقصائه بمسرحية ما بطريقة أو بأخرى أو اعادة الجيش الى الواجهة .. وذلك يفهم من اصرار الناتو على اطلاق سراح الضباط الكبار المتهمين بمحاولة انقلابية سابقة ..

 

لذلك فان القراءة الناضجة للأحداث لاتسير في صالح الثوار والاسلاميين .. رغم أن هجوم فرنسا الارهابي يحاول البعض تفسيره أنه محاولة اسرائيلية يائسة لدفع الرأي العام الغربي للقبول بتورط أكبر في أحداث الشرق الأوسط من باب العودة الى شعار جورج بوش الابن القائل (فلنحاربهم في شوارعهم قبل أن يصلوا الى شوارعنا.. التي وصلها الارهابيون في هجوم باريس) .. بدليل اعلان وصول داعش الى ليبيا القريبة من اوروبة وكذلك تمثيلية تفجير قرب كنيس يهودي (لم يصب أحدا طبعا) في نفس يوم غزوة تشارلي ايبدو .. ويحاول البعض التساؤل بخبث فيه غباء ان كانت الصدفة وحدها هي التي دفعت الى ثلاث هجمات في أسبوع على دول معادية لسورية (هجوم على الحدود السعودية وهجوم انتحاري على مخفر في استانبول ثم هجوم باريس ) .. سؤال سريالي لصنع مقدمات سريالية لتصويب الاتهام على الدولة السورية وحلفائها لانقاذ الثورة من قدرها المحتوم .. الا أن الحقيقة هي أن الرأي العام الغربي قد سئم الاسلاميين جدا وتقزز من الثورات الدينية وأصحابها وهو يرى كيف تتصرف برعونة وتصنع مواطنين غربيين متوحشين وأشخاصا مفزعين مرعبين يقطفون الرؤوس ويباهون بالتقاط الصور معها بين أولادهم .. وقد صار هناك تفهم كبير لبقاء الدولة الوطنية العلمانية في سورية مثل السد الذي يمنع الفيضان الارهابي .. وقد التقيت شخصيا مع مجموعة من الاوروبيين منذ شهرين وكانوا في عام 2011 يثرثرون بالثورات ويقرعوننا لدعم وتأييد الوحش والطاغية السوري وبالكاد استمعوا لي بملل دون أن يملوا من تذكيري بالحرية والديمقراطية والشعب والطغاة .. ولكنهم هذه المرة بالكاد سمحوا لي بالحديث لأنهم لم يتوقفوا عن ابداء الندم والاعتذار وتكرار عبارة “كم كنا مخطئين .. وكم تبين لنا أن الأسد كان على صواب وأننا على خطأ .. وكم يجب علينا أن ندعم الأسد وجيشه الذي يقاتل هذه الضواري” .. بل ان أحدهم وهو نرويجي كان غاضبا جدا أن سورية سلمت سلاحها الكيماوي لأنه – برأيه – السلاح الذي يجب استخدامه ضد هذه الوحوش الطليقة ذات اللحى دون رحمة ..

 

غزوة باريس اذا مهما حاول البعض استخدامها لتبرير التورط المباشر في سورية فانه لن يمنح اي دولة غربية الشجاعة للنزول الى الميدان بل سيجعل دعوتها لدعم الثوار السوريين مثيرة للقرف الجماهيري والحنق الشعبي .. وستضغط قوى اجتماعية كثيرة لفك الارتباط مع المكاتب الثورية وتدفع للتنسيق مع القيادة السياسية والأمنية السورية .. فالثوار يفقدون حتى آخر رصاصاتهم الحزينة في الغرب .. ولن يمضي وقت طويل حتى لن تجدوا ثائرا اسلاميا في اوروبة يتغنى علنا بالثوار والثورات وبشعارات اسقاط الطاغية في دمشق التي عاش منها كثيرون وحصلوا على صفة اللجوء وقابلتهم الصحف والتلفزيونات .. بل قد يضطر البعض منهم قريبا لأن يمثل أنه من مناصري الدولة السورية ضد الاسلاميين ليبقى مقبولا دون ان يحاط بالاحتقار والنقمة .. وقد يحمل صورة الرئيس بشار الأسد كنوع من التقية السياسية .. وهذا ليس بالعسير على هؤلاء المتقلبين المنتفعين الانتهازيين الذين يبيعون أوطانهم في المحن الوطنية .. ويبيعون ثوراتهم بأبخس الأثمان وفي أول مناسبة ..

 

لذلك فان كؤوس الأساطير الثورية التي شربت دمنا لتعيش .. ستجد أنها تتكسر وتتحطم .. وأن ظلال الأرواح الطاهرة وظلال الحكايات وأرواح الأبطال هي التي تهشم الأساطير التي تشرب الدم ..

 

زمننا بدأ الآن .. وزمنهم يعزف لحن النهاية ..

 

ويقيننا حطم يقينهم ..

 

—————————————————————————–

 

ملاحظة بمناسبة “غزوة باريس” .. الا يجب على قناة الجزيرة والعربية وقناة فرانس 24 أن تنقل الخبر عن انجازات (الثوار الفرنسيين) وتأتي الجزيرة مثلا بصفوت الزيات ليحلل لها كيف أن تشارلي ايبدو هي معركة فاصلة على طريق تحرير باريس مثل معركة بابا عمرو .. كما تفعل دائما عندما تتحدث عن انتصارات الثوار السوريين الذين يهاجمون المراكز الحكومية ومباني التلفزيون والمحطات ويقتلون الصحفيين شبيحة النظام ..؟؟ أليس الصحفيون الفرنسيون شبيحة لهولاند ؟؟ ألا يستحق المشهد أن يخصص عزمي بشارة 45 دكيكة مع علي الظفيري ليتحدث عن وحشية الحراس الذين واجهوا الثوار ؟؟ وهل سيظهر القرضاوي ويدين الارهاب أم سيقول: ومالو؟؟ .. غالبا سيدين في خطبة يوم الجمعة هذه الوحشية لأنه يفضل أن تكون الدماء التي سفكت سورية أو عراقية أو اسلامية أو نصيرية أو شيعية أو مسيحية شرقية أو ايزيدية .. لا فرنسية ..

 

سؤال كبير الى مذيعي الجزيرة والعربية سيبقى بلا جواب .. بذمتكم وبذمتكن: ماهو الفرق بين الثوار السوريين .. والثوار الفرنسيين؟؟؟؟

 

تعليقات

تعليقات